ثلاث اتجاهات في الشيعة!
أنت من أيّ الاتجاهات؟

مكتب العلّامة المهتدي ينشر تلخيصًا لخطبة الجمعة التي ألقاها سماحته (حفظه الله) في 26/شوال/1438.

*بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ*

يوم أمس كانت ذكرى استشهاد الإمام الصادق وهو السادس مِنْ أئمة آل محمَّد (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين).. نتساءل عن مستوى “المعِيَّة” عندنا نحن الشيعة على ضوء قول الله -عزّوجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

هل بالفعل نعيش مع الصّادقين في كلّ جوانبهم.. أم قَطَّعْنَاهُم حسب الأمزجة والميول الشخصيّة والحزبيّة..

يمكننا تقريب الجواب عبر قراءة المشهد العام للجمهور الشيعي، وهم في ثلاث اتجاهات:

الاتجاه الأوّل: التطرّف السياسي.

الاتجاه الثاني: التطرّف القشري.

الاتجاه الثالث: التوازن الشموليّ.

ففي الاتجاه الأوّل نرى الذين يتوهَّمون تلك “المعِيَّة” في كونهم ثوريّين سياسيّين معارضين يتابعون أخبار الحياة ويعيشون منفتحين على دنياهم ويمارسون ما تشتهي أنفسهم.. ولا يرون في الجوانب العباديّة حاجةً إلى أكثر من صلاتهم اليوميّة كيفما أدّوها ثم صيام شهر رمضان جريًا مع العادة وأمورٍ جزئيّة أخرى إنْ انتبهوا لها!!

أمّا الإعتقادات الولائيّة وتربية الأطفال وفق تقسيمة الحلال والحرام وتفعيل الشعائر الحسينيّة والدفاع عن مركزيّة الحق في أهل البيت كدينٍ نبرء به ذمّتنا بين يدي ربّنا -عزّوجل- دون مجاملة.. فهؤلاء القوم يعتبرونها خلافًا للإتحاد مع بقيّة المسلمين وتخلّفًا عن ركب الحضارة!!

وعلى عكسهم أولئك الذين في الاتجاه الثاني.. إذ يختصرون الأئمة الصادقين في معارك مع المذاهب الأخرى وكلّ همّهم مواجهة السنّة بالمناقشات التاريخيّة الممزوجة بسهام السبّ واللّعن والتكفير ولا يستثنون في هذه المواجهة حتى إخوانهم الشيعة الذين يخالفونهم في بعض التفاصيل حول المحتوى والأسلوب وينازلون حتى المراجع وكبار العلماء والخطباء تشهيرًا بهم بأقذر الألفاظ، وحجّتهم في ذلك هي الغيرة على المذهب والدفاع عن أهل البيت بالبراءة من أعدائهم!!

وأمّا الشيعة في الاتجاه الثالث فهم المتوازنون في عقائدهم والمعتدلون في عباداتهم، الممارسون لمعنى الولاية والبراءة بالحكمة والفطنة، ولديهم في القضايا السياسية رؤية ثاقبة، وإذا كانوا معارضين للحكومات فلديهم مواقفهم المدروسة، وهم في الأخلاق الحسنة والتزام التقوى متقدّمون وفي الدفاع عن المذهب واعون لكلّ جوانب عملهم ضمن إطار الزّمان والمكان. هؤلاء يهتمّون بالتوجيه العام والموعظة والتذكير والعلم والدراسة وإعداد الكادر العلمي.. ومواجهة الإنحراف بأسلوبٍ إحترافيٍّ متدرّج.

ذلك لأنّهم قرأوا هذه الشموليّة في سيرة نبيّهم الأكرم وأئمّتهم الأطهار ولاسيّما في شخصية مولاهم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حتى صاروا جعفريّين حقًّا ولم يتلوّثوا بوباء التطرّف السياسي ولا ببلاء التطرّف البرائي

هذه ملامح الشأن الشيعي والموقف من التشيّع الحقيقي ومستويات الإنتماء المذهبي في زماننا الحاضر.

والسؤال هنا يتّجه نحو مساريْن:

*1/* من أين تنشأ مشكلة التطرّف والتي كانت أيضًا في زمن النبيّ وعصور الأئمة وكيف تعامل معه قادتنا الأبرار؟

*2/* ما هو العلاج لمشكلة التطرّف؟

نقول في المسار الأوّل:

لا شكّ أنّ الجهل دائمًا هو علّة العلل في كلّ المشاكل.. فما تجدوا من مشكلة حتى تجدوها قد خرجتْ من بطن الجهل. وكم قد حثّ أهل البيت (عليهم السلام) على طلب العلم وقراءة الأمور والتفكّر فيها من كافّة أبعادها واعتماد المشورة مع العقلاء ذلك لأنّهم أرادوا القضاء على ما يفرزه الجهل من إرباكات على كلّ الصُّعُد، فكان العلم النافع الصحيح هو الباب الذي يفتح على تنضيج الفكرة وبلورة الحقيقة وسلامة الموقف.

لذلك يعلن الإمام الصادق (عليه السلام) لشيعته: “لستُ أُحِبُّ أنْ أرىٰ الشابَّ منكم إلا غاديًا في حاليْن، إمّا عالماً أو متعلِّماً، فإنْ لم يفعل فَرَّطَ وضَيَّع، فإنْ ضُيَّعَ أثِم، وإنْ أثِم سَكَنَ النّار والذي بَعَثَ محمَّدًا بالحقّ“.

تصوّروا لو أنّ المتطرّفين من أيّ الإتجاهيْن كانوا قد أخذوا فقط بهذه الكلمة فهل كانت آفة الإفراط والتفريط تهدّد الشيعة وتشوّه صورة التشيّع؟!

من الجهل أن يبرّر البعض لتطرّفه بوضع زماننا المتشابك وجنون الصراعات. لأنّ عصور الأئمة الطاهرين والإمام الصادق أيضًا كانت فيها حروب وطغاة وسجون وفساد ونواصب وظلم ومنحرفون وحماقات كما في عصرنا، ولكن كانت تنقصهم فضائيّات الفتنة وانستغرام البذاءة وفيسبوك الحماقة والواتسب المُوَجَّه عبر غرف الإستخبارات الدوليّة

كيف يا تُرىٰ قد تعامل الأئمة (عليهم السلام) مع كلّ تلك المفردات المؤلمة.. هل كانوا كالمتطرّفين السياسيّين.. كلّ شيء جائز عندهم من أجل الهدف؟!
أم كانوا كالمتطرّفين البرائيّين.. كلّ شيء جائز عندهم من أجل الهدف؟!

هنا نكتشف أنّ الشيعة الجعفريّين حقًّا كيف يجب أن يكونوا مع الصادقين. هذا يحتاج إلى الإيمان الصحيح والتقوى الحقيقي. راجعوا الآية بتدبُّر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

إذن.. الجعفريّ الصّادق مع أئمّته هو الذي يسير بالقول والفعل ضمن منهجهم المتوازن.. فلا يتطرُّف إذا اعتقد بقضية سياسيّة أو مشاريع اجتماعيّة أو بحقيقة شعائريّة أو بفكرة ولائيّة وما أشبه ذلك.

هكذا كان رسول الله وهكذا كان كلّ إمام من أهل بيته.. كانوا المثال الأكمل لوسطيّة الفكر والموقف.. فمن أين دخل المتطرِّفون على مذهبهم بجزميّاتهم واستبدادهم وصاروا يتصرّفون بروح الملكيّة الخاصّة للحقيقة وكأنّهم وكلاءٌ حصريّون للدّين والمذهب؟!
دخلوا من بوّابة الجهل والتعنُّت

ونقول في المسار الثاني:

إنّ على شيعة آل محمّد الذهاب إلى علاج أوضاعهم، فاليراجعوا أنفسهم وفق موازين العترة الهادية ولينظروا كم هي درجة تطبيقاتها الميدانيّة في حياتهم.

ويفتقر هذا الموقف إلى التجرّد عن المسبقات السياسيّة والفكريّة والحزبيّة والفئويّة وحبّ الأنا ومصالحها الأرضيّة.

* فهذه وصيّة الإمام الصادق إلى ابنه الإمام الكاظم (عليهما السلام) مثلًا تعالوا لنرتّبها على أنفسنا لأنها إلينا بلسان “إيّاك أعني واسمعي يا جارة”. يقول (عليه السلام): “يا بُنَيْ إقبَلْ وصيَّتي، واحفَظْ مقالتي، فإنَّك إنْ حفِظتَها تَعِشْ سعيدًا وتَمُتْ حميدًا، يا بُنَيْ مَن قَنَعَ بما قُسِم له استغنىٰ، ومَن مدَّ عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرًا، ومَن لم يَرْضَ بما قَسَّمَ اللهُ له اتَّهم الله في قضائِه… يا بُنَيْ مَن كَشَفَ عن حجاب غيره تكشَّفتْ عوراتُ بيته، ومَن سَلَّ سيفَ البغي قُتِلَ به، ومَن احتفَرَ لأخيه بئرًا سَقَطَ فيها، ومَن داخل السُّفهاء حُقِّر، ومَن خالط العلماء وُقِّر، ومَن دَخَلَ مداخل السّوء اتُّهِم. يا بُنَي إيَّاك أن تزري بالرجال -تسيئ إليهم- فيُزرىٰ بك، وإيَّاك والدّخول فيما لا يَعْنِيك فَتُذَلّ. يا بُنَيْ قُلِ الحقَّ لك وعليك تُستَشار مِن بين أقرانك. يا بُنَي كُنْ لكتابِ الله تاليًا وللإسلامِ فاشيًا، وبالمَعْروف آمِرًا، وعن المُنكَر ناهيًا، ولِمَن قَطَعَكَ واصِلًا، ولمَن سَكَتَ مُبتَدِئًا، ولمَن سألك مُعطِيًا، وإيَّاك والنميمة فإنَّها تَزْرَعُ الشَّحْناء في قلوب الرّجال…”.

* ويقول (عليه السلام) في الشأن الداخلي: “تَزَاوَرُوا، فإنَّ في زيارَتِكُم إِحياءً لِقُلوبِكُم، وَذِكراً لأحَادِيثِنَا، وأحاديثُنا تعطفُ بعضَكم عَلى بعضٍ، فإن أَخذتُم بِها رُشِدتُم وَنَجَوتُم، وإِن تَرَكتُمُوهَا ظَلَلتُم وهَلَكتُم، فَخُذُوا بِها وأنَا بِنَجَاتِكُم زَعِيم“.

* ومما قاله (عليه السلام) لأحد أصحابه: “أوصيك إذا أنتَ هَمَمْتَ بأمرٍ فتَدَبَّرْ عاقِبَتَه، فإنْ يَكُ رُشْدًا فأمْضِه، وإنْ يَكُ غيًّا فانْتَهِ عنه“.

* وقال: “الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَر واجبان على مَن أمكنه ذلك، ولم يَخَفْ على نفسِه ولا علىٰ أصحابِه“.

* وقال أيضًا: “اِجعَلُوا أمرَكُم هذا للهِ ولا تجعلوهُ للنَّاس ، فإنَّه ما كان لله فَهُوَ لله، وَما كان للنَّاس فَلا يَصعدُ إِلَى السَّمَاء، ولا تخاصمُوا بِدِينِكُم، فإنَّ المُخَاصَمَة مُمرِضَةٌ للقلب، إِنَّ الله عزَّوجلَّ قال لنبيِّه (صلى الله عليه وآله): (إِنَّكَ لا تَهدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَنْ يَشَاءُ)، وقال: (أَفَأَنْتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)“.

لا أدري في ظلّ هذه الرؤى الصادقيّة.. كيف أصبحتْ ثقافةُ البذاءة الفضائيّة جزءً من المذهب الجعفري وجعفر الصادق (عليه السلام) بنفسه كما في رسالته إلى جماعة من الشيعة يقول: “وإيِّاكم وسبّ أعداء الله حيث يسمعونكم، فيسبُّوا الله عَدْوًا بغير علم. وقد ينبغي لكم أن تعلموا حدَّ سبّهم لله كيف هو؟ إنَّه مَن سَبَّ أولياء الله فقد انتهك سبَّ الله، ومَن أظلم عند الله ممن استسبَّ لله ولأولياء الله، فَمَهْلًا مَهْلًا، فاتَّبِعوا أمر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله“.

يقول الراوي -كما في أصول الكافي- لقد كتب الإمام هذه الرسالة إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهُدها والعمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.

عذرًا لكم.. إننا مع الأسف نعيش زمنًا قد لعب الجهل حتى في بعض العلماء الذين ينظرون إلى الأمور بعينٍ واحدة والله قد أعطاهم عينَيْن، ويسمعون من جانبٍ واحد والله قد أعطاهم أُذُنَيْن. علماء يرون أنفسهم يفهمون كلّ شيء وما هم بعالِمين.
فكيف تريدون أن لا يتطرّف السياسي التابع لهم وأن لا يتطرّف الولائي الناعق لهم؟! والمصيبة حينما يتقمّصان عنوان الإمام الصادق البريء منهما!!

هلمّوا أيّها الإخوة واعملوا بهذا الحديث الصحيح عن معاوية بن وهب أنَّهُ قال: قُلْتُ لَهُ -أي للإمام الصادق-، كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ قَوْمِنَا وَ بَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى أَمْرِنَا؟

قَالَ: “تَنْظُرُونَ إِلَى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ‏ بِهِمْ‏ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ، فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ، وَ يَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ، وَ يُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَ عَلَيْهِمْ، وَ يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ“.

ورُوِيَ عن زيد الشَّحَّام أنه قال: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ -الصادق- (عليه السَّلام): “اقْرَأْ عَلَى مَنْ تَرَى أَنَّهُ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ وَ يَأْخُذُ بِقَوْلِيَ السَّلَامَ، وَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَ الْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ، وَ الِاجْتِهَادِ لِلَّهِ، وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ، وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَ طُولِ السُّجُودِ، وَ حُسْنِ الْجِوَارِ، فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه و آله). أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهَا بَرّاً أَوْ فَاجِراً، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) كَانَ يَأْمُرُ بِأَدَاءِ الْخَيْطِ وَ الْمِخْيَطِ. صِلُوا عَشَائِرَكُمْ، وَ اشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَ عُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَ أَدُّوا حُقُوقَهُمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ وَ صَدَقَ الْحَدِيثَ وَ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَ حَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ قِيلَ هَذَا جَعْفَرِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وَ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَ قِيلَ هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ، وَ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيَّ بَلَاؤُهُ وَ عَارُهُ، وَ قِيلَ هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ“.

ولكنّ المتطرّفين السياسيين يبغضون الأقربين ويحبّون الأبعدين، والمتطرّفين الولائيّين يلعنون الأقربين والأبعدين ويرون الجنّة خُلقتْ لهم دون الآخرين!!

فاختاروا تجاهكم الصحيح على ضوء ما قاله إمامكم جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): “الشيعة ثلاث: مُحِبٌّ وادٌّ فهو منّا ، ومُتزيِّنٌ بنا ونحن زَيْنٌ لمَن تَزَيَّن بنا ، ومُستأكِلٌ بنا النّاس ومَن استأكل بنا افتقر“.

أللهم أعِذْنا من التطرّف واكْفِنا شرّ المتطرّفين، ووفِّقنا إلى العلم النافع، وسدِّدنا للعمل الصالح بخلوص النيّة لوجهك الكريم، واغفر لنا وأحسن عواقب أمورنا بجاه نبيّك محمّد وآله خير الورى (صلواتك عليه وعليهم أجمعين).

 

للاعلى