لماذا وإلى متى؟!

نصّ كلمة سماحته (حفظه الله) التي قرأها نيابةً عنه نجلُه فضيلةُ الشيخ محمد جواد المهتدي (دام عزّه) في التأبين 14 لذكرى المرجع الشيرازي الراحل.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي رَفَعَ الذين أوتوا العلمَ درجات.. والصلاةُ والسلام على سيّدِنا محمدٍ سيّدِ السّادات.. وعلى أهلِ بيتِه الأئمةِ الهداة.. واللعنةُ على أعدائِهم مِن الآن إلى يوم الندامةِ والحَسَرات.

وأما بعد:

السلام عليكم أيّها الحضورُ الكريم ورحمةُ الله وبركاتُه.

أعزّيكم أولاً بذكرى هدم قبور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقبور الصالحين والصالحات من صحابة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مقبرة البقيع الشريف وتسويتها بالتراب وأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ثم أحيّي السادةَ العلماءِ الأفاضل والأساتذةَ الأكارم والأخوةَ المؤمنين والأخوات المؤمنات جميعاً.. ولاسيما الذين تجشّموا عِناءَ السفرِ إلينا مِن خارجِ البحرين للمشاركةِ في هذا الحفلِ التأبيني الرابع عشر مِن ذكرى وفاةِ المرجعِ الديني الكبير والمفكّرِ الموسوعيِّ المُلهَم آيةِ الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته).

وأشكر اللجنةَ الدائمية لإحياءِ هذه الذكرى السنويّة.. والشكرُ موصولٌ لإدارةِ حسينية أهلِ البيت الموقَّرة على هذا الإعدادِ المتميّز في الوفاءِ لشخصيةٍ تميّزت بخصالِ الربّانيينَ.

نعم.. لقد كان الفقيدُ السعيد مِن نوادرِ المراجعِ الأجلاء الذين قدّموا للإسلامِ والأمةِ والبشريةِ والتاريخِ أعظمَ الخدمات المُمتدّةِ عبر الأزمنة وهُم في عالَمِ البرزخ عندَ اللهِ تعالى. وهذا هو معنى البقاءِ للإنسانِ المؤمنِ العاملِ المُخلِص..

ويزدادُ هذا المرجعُ العظيمُ خلوداً بين عارفيه وانتشاراً بين الناس كلّما ظهرت مظلوميّتُه التي تفرّد بها بعد الإمامِ عليٍّ أوّلِ مظلومٍ في تاريخِ الإسلام وأولادِه (عليه وعليهم السلام).. كفاه أنه كأجدادِه الطاهرين لاتزال ألسُنُ الجاهلين تَلُوكُه -وإن قَلَّت- لِتصدُقَ عليه كلمةُ الإمام (عليه السلام): “الناسُ أعداءُ ما جَهِلوا”.

إنني ومع الأسف لم أجد غيرَ هذا الحديثِ تفسيراً للمواقفِ العدائية ضدّ هذا المرجعِ الذي جَلَبَت له أخلاقُه ونبوغُه وتضحياتُه كلَّ هذا العداء الجاهلي حَسَداً مِن الداخلِ تارة.. وتآمُراً مِن الخارجِ تارةً أخرى.. ذلك لاتحاد رغبةِ الطرفين في إخفاءِ الشخصياتِ النموذجية الإنقاذية عن الجماهير.

فالحق هو ما قاله أميرُالمؤمنين أنّ الناسَ إنما يعادون الذين يجهلون عنهم.. وكما في المَثَلِ الجديد: إللّي ما يَعرف الصّقر يَشوِيه!!

لي مع هذا المرجع الكبير ذكريات تجعلني مشدوداً إلى شخصِه وشخصيتِه ما دمتُ حياً.. فمن تلك الذكريات التي تُثبِت صحّةَ الحديثِ المذكور:

أني في سنة 1998 لمّا كنتُ مقيماً في مدينة قم المقدسة، زارني من البحرين أحدُ المؤمنين في الستينَ مِن عمرِه.. وهو -رحمه الله- كان يحبّني ويحترمني ويعزّني. جاءني البيتَ ضيفاً.. وذات يومٍ ونحن على مائدةِ الفطور نصحني بأنّ السيدَ الشيرازي يقولون عنه كذا وكذا فلماذا أنت تقلّدُه وتخرّب آخرتَك بسببِه؟!
سمحتُ له أن يواصل في كلامِه وأنا أدري أنه واحدٌ مِن ضحايا الغيبة والجهل الذي اشتُهر به كثيرون في بلادنا ضد الشيرازي، وكنتُ متيقّناً أنه لم يعرف هذا السيدَ العظيم حتى شكلَه!!
فقلتُ له ما رأيُك أن نذهبَ لزيارةِ حرمِ السيدة المعصومة (عليها السلام) ونصلّي عندها صلاةَ الظهر؟ قال: ممتاز. قلتُ له: وما رأيك أن نخرجَ الآن نَمُرُّ على بيتِ أحد المراجع ونحن في طريقنا إلى الحرم؟ قال: خيرَ ما تعمل.. فلنذهب.
طلبتُ لنا سيارةَ الأجرة، وذهبنا إلى بيت سماحةِ المرجع الشيرازي (طاب ثراه) ودخلنا مجلسَه، فقام السيدُ يستقبلنا بهيبتِه ونورانيتِه وابتسامتِه واحترمني واحترم ضيفي. جلسنا مقابلَ السيد ليتمعّن صاحبي فيه أكثر، ولكنّي استجبتُ لطلب سماحةِ السيد بالجلوسِ عندَه فبقي الحاج جالساً أمامَه وأنا على يساره. سأله السيدُ الشيرازي عن صحتِه وأخبارِ المؤمنين في البحرين ودعا له ولهم، ثم التفتَ إلى الجالسين يُحيّيهم ويتحدّث معهم ويجيب على أسألتهم وكلما دخل أشخاصٌ قام لهم إحتراماً وتأدُّباً. كنتُ طولَ اللقاء ألاحِظُ على الحاج نظراتِه الإعجابيةِ إلى السيدِ المرجع وبدى عليه الإنجذاب، وكان سماحةُ السيد ببشاشتِه الأخّاذة يتكلم في مختلفِ المواضيع حتى اقترب وقتُ الأذان فقمنا نودِّعُه.. فَقَبَّل صاحبي جبهةَ السيدِ الشيرازي وانحنى يقبِّل يدَه وطلب منه الدعاء، رأيتُه متثاقلاً في توديعِ السيد ولم يتركه حتى مشيتُ قليلاً فمشى خلفي…
خرجنا إلى الشارع خطوات.. وإذا به سألني:
شيخَنا لم تَقُل لي إسمَ هذا المرجع.. حقاً إنه يدخل في القلب.. لقد انشرحت له نفسي.. إنه عظيمُ الأخلاق، حُلوُ الكلام، متواضعٌ مع الجميع، في وجهِه نورُ الصالحين.. لقد أحببتُه.. الله يحفظه!! ما إسمُه؟
فقلتُ له: هذا إسمُه السيد محمد الشيرازي الذي جئتَ من البحرين مشحوناً عليه.

هنا جَمَدَ الرجلُ مكانَه!!
ثم أدارَ وجهَه ينظر إلى بابِ بيتِ السيد المرجع.. ذلك البيت المتواضع…
فأضفت له قائلاً: لِعلمِكَ يا حاج إنّ مِن زُهدِ السيد أنّ هذا البيت ليس مُلكُه بل إيجار.
فالتفتَ نحوي والدموعُ تجري مِن عينَيه ولم يستطع أن يتكلم بشيء.. وجدتُه غارقاً في التفكير. قلتُ له فلنُسرِع لِنصل قبلَ الأذان إلى الحرم. مشينا خطوات وأنا أسمعُه يُتمتِم كلمةَ الإستغفار. ثم قال لي هل يعفو الله عني كلاميَ السيّء عن هذا السيد المظلوم؟!
قلتُ له: إنّ اللهَ لا يعفو حق الناس، ولكنّ السيد عفى عن جميع مَن أساء إليه. وجزاءُ هذا الإحسان إحسانُ أمثالِك بنصيحةِ كلِّ جاهلٍ يلوِّث نفسَه باغتيابِ هذا المرجع العظيم.
قال: المشكلة لمّا المعمّمون يغتابون هذا السيد المظلوم ويتكلّمون ضدّه!!

أجل.. هل ثبت لكم كيف يكون الناسُ أعداءَ الذين لا يعرفون عنهُم سوى ما سمعوه مِن أمثالِهم الجُهلاء أو الحُسّاد أو الحاقدين؟!

والغريبُ أنّ المعمَّمَ المؤسِّسَ للكذبةِ المشهورة بأن السيدَ الشيرازي غيرُ مجتهدٍ.. إلتقيتُه قبل ثمان سنوات تقريباً وهو اليوم طاعنٌ في السنّ يقيم في أمريكا.. قال لي أنه اختلق هذه الكذبةَ في ستينات القرن الماضي وهو متأسّفٌ على تدحرُجِها السريعِ بين الناس. قال لي أنه مازال يستغفر اللهَ على فِعلتِه القبيحة التي كانت بدافعِ الحزبية يوم كان شاباً متحمِّساً للحزبِ الذي كان مِن مُؤسِّسيه واليوم هو ساخطٌ عليه!!
طلبتُ منه أن يعلن هذه القضية للناس كفارةً لذنبِه الكبير الذي مَزَّقَ به أجيالاً من الشيعة وراحت ضحيّتَها أموالٌ وأعمارٌ وأعصابٌ في الخلافات الإستنزافية، ولكنّه لم يفعل حتى الآن حسب معلوماتي. وقد اعترف في لقاءٍ مع قناةِ العربية قبلَ فترةٍ وجيزة أنه كان يؤمن بالكذب السياسي، وقد مارَسََه في تلك السنوات مع المرجع السيد محسن الحكيم (رحمة الله عليه) لِيُخرِجَ منه فتوىً لصالحِ حركة إخوانِ المسلمين في مصر!!
أرجو أن تصلَه كلمتي هذه قبلَ أن يختارَه اللهُ إلى حسابٍ عسير. كما أرجو أن يقرأ مُبغِضو المرجع الشيرازي هذه الحقائق التاريخية المُقرِفة فلا يزدادوا إثماً في هذا المظلوم.

إنها لَظاهرةٌ موجِعةٌ.. ظاهرةُ وأدِ الكفاءات، فكما تاهَ المسلمون بزحزحةِ أئمةِ أهل بيت النبي الأكرم وتشويه صورتِهم.. هذه مجاميعٌ كثيرة أيضاً تائهةٌ من الشيعة ويعود سببُها إلى زحزحةِ رجالٍ كالشيرازي العظيم وتشويهِ صورتِهم؟!

نعم.. إن المرجعَ الشيرازي عاش مظلوماً هكذا ومات مظلوماً كذلك.. ولكنه انتصر بكلِّ مقاييسِ الإنتصار.. وهذا ما يدرُكُه الذين ظلموه لو كانوا يقرأونه بعينِ الإنصافِ والتقوى لا كما يقرأ الوهّابيّون مذهبَ التشيّع!!

هذا الإنتصارُ الذي يسمّيه (رَحِمُه اللهُ) النجاح يقول عنه في كتابه (عشتُ في كربلاء): “وإني لم أزَل ـ وأنا خارجٌ عن كربلاء ـ أهدفُ هذا الهدفَ نفسَه: أما المواقع التي كنتُ أنطلق منها فهي: تحرّي (الحقيقة) و(الصبر) و(الرّفق). وأما طريقتي فيوجِزُها المَثَلُ القائل: (ينتظرون منك كلَّ شيء، ولا تنتظر مِن أحدٍ شيئاً) و(يقولون فيك كلَّ سوء ولا تَقُل في أحدٍ سوءاً) ولعلّ المفتاحَ الرئيسيّ لِنجاحي في تلك المهمّة، إن صَحّ أنّي كنتُ ناجحاً، هو مواقعي وطريقتي”.

وفي القسم الأخير من هذه الكلمة أقول:

سيّدي.. إنّ موسوعتَك الفقهية ذات 160 مجلَّداً لا تتكلّم عن قوّةِ اجتهادِك فحسب بل وعن قدرتِك على استنباط أحكام مسائلَ مستحدَثةٍ قبلَ أن تَحدُث.. فسبقتَ غيرَك بطرحِها وهم يومئذ يضحكون.. حتى كتبتَ في فقهِ العولمة وفقهِ القانون وفقهِ الإدارة وفقهِ الحقوق وفقهِ التاريخ وفقهِ المرور وفقهِ الطبّ وفقهِ الإستنساخ وفقهِ الإجتماع وفقهِ السياسة وفقهِ الإقتصاد وفقهِ العقائد وفقهِ القضاء وفقهِ السّلم والسلام وفقهِ الصلاة في الكواكب الأخرى.. ما عدا كُتُبِك حول (السبيل إلى إنهاض المسلمين) وحول (الغرب يتغيّر) وحول (الصياغة الجديدة لِعالَم الإيمان والحرّية والرفاه) وحول (الحرّيات المائة).. والتي هي قرابةُ الألفِ والأربعمائةِ كتاباً وكتيَّباً صِرتَ بها سلطانَ المؤلِّفين في موسوعة (غينيس) ولا زال الحمقى يقلِّلون مِن نبوغِك!!

سيّدي.. وهذه مؤسّساتُك في العالَم تشهدُ لك بالنظرة الإستراتيجية التي كنتَ تحملها تجاه الصحوة الإسلامية وتنميتِها في إدارةِ الصراعِ الدولي.

سيّدي.. وهذه قنواتُك الفضائية تُحدِّث الناس في عُقرِ دارِهم بعد أن منعوهم مِن كتيّبٍ لك يصل بأيديهم.

سيّدي.. هذه مبادؤك الحضاريةِ في ممارسةِ التغييرِ السلمي وبناءِ الدولة الإسلامية الإستشارية، وفي الحوار التفاوُضي حتى مع العدو.. فقد شقّت سبيلَها إلى عقولِ الإصلاحيين في العالَم..

سيّدي.. هذه مدرستُك في الحرّية والتعدّدية والشورى والأخوّة والأمّة الواحدة تتحرّك نحو الإنتشار والتألُّق.

سيّدي.. لازلتَ أنتَ البديل لأنك الذي فَقَعتَ عينَ الجهل وأصبتَ كَبِدَ الحقيقة حتى لو كابَرَ الذين جَهَلوك ويصرّون على دفنِ رأوسِهِم تحت الرّمال ليدفعوا المزيدَ مَن ثمنَ العناد..ِ أزماتٍ بعد أزمات.

سيّدي.. بين ذلك الظلمِ وظلمٍ آخرَ جئناكَ نشتكي!! ظُلمِ الذين تقمّصوك ولم يفقهوك مَن أنت.. فشوّهوا سمعتَك وسمعةَ شقيقِك المرجع الربّاني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي (دام ظلّه العالي) وداسوا أخلاقَكما قبل أهدافِكما!!

سيّدي.. هكذا هي فتوحاتُك الفقهية والصَّحَوِيّة وتمدُّدك الفكري في العالَم.. وكيف كانت لو لم تَنبُت طفيلياتٌ حولَ شجرتِك المُثمِرة ولم يحاربك الآخرون وأنت تقاومهم منذ انطلقتَ في كربلاء الستينات ولا زلتَ تقاومهم بطريقتِك البرزخيّة!!
ألا يكفيهم هذا دليلاً على أصالةِ ما جئتَ به مِن هُدى أجدادِك الطاهرين.. محمدٍ وآلِ محمد؟!

إلهي.. سؤالٌ أهمسُ به لنفسي:
لماذا النوابغ يُظلَمون.. لماذا العظماءُ لا يُقدَّرون.. لماذا الناسُ لا يكتشفون المخلصين إلا بعد موتِهم.. لماذا لا نتعلّم من أخطائنا ونجترّها بتخلُّفٍ نتخيّلُه تقدُّماً.. لماذا هذا العناء يُثقِلُ على القلب فوقَ كلِّ العناءاتِ الأخرى وإلى متى؟!

هذا ما لَزِمَ بيانُه والتحذيرُ منه في هذه المناسبة ولله الحمدُ على كلِّ حال…
داعيكم:
عبدالعظيم المهتدي البحراني
8/شهر شوال/1436
ذكرى هدم قبور الطاهرين في البقيع

للاعلى