مولد الإمام الحسن..
رؤية في عُمق الحدث

بيان بمناسبة النصف من شهر رمضان ذكرى مولد الإمام الحسن سبط النبيّ المؤتمن (ص).

بسم الله الرحمن الرحيم

اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي يُؤْمِنُ الْخائِفينَ، وَيُنَجِّى الصّالِحينَ، وَيَرْفَعُ الْمُسْتَضْعَفينَ، وَيَضَعُ الْمُسْتَكْبِرينَ… اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَمينِكَ، وَصَفِيِّكَ، وَحَبيبِكَ، وَخِيَرَتِكَ مَنْ خَلْقِكَ، وَحافِظِ سِرِّكَ، وَمُبَلِّغِ رِسالاتِكَ… وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، أَهلِ بَيتِ نَبِيِّكَ سَيِّدِ المُرسَلِينَ…

وأما بعد:

الحَسَن.. كان السّبط الأوّل الذي توافد المسلمون يباركون لرسول الله (ص) مولدَه هو البشارة الأولى في نسف شانئيه، فهو الآن بالحسن بن عليّ بن أبي طالب ليس (الأبتر).

هذا السّبط الذي لازال المسلمون (شيعةً وسنّة) يفرحون ب(قرقاعون) مولدِه يوم (قرّت عيون) النبي وابنته فاطمة الزهراء وزوجها عليّ.. كانت له صفات الجمال الشكليّ والكمال العقليّ ما جعل النبيّ الأكرم يقول فيه: “اللّهُمّ إنّ هذا إبني وأنا أحِبُّه فأحِبّه”.

لقد حَضَرَ مُسرِعاً إلى بيت إبنته سيّدة نساء العالمين. وحمل الوليد وشمّه وقبّله وكبّر الله عليه ثم التفت إلى صهره عليّ (ع): “هل سمّيت الوليد المبارك”؟ فأجابه الإمام: “وما كنتُ لأسبِقَك يا رسول الله”. فقال (ص): “وأنا ما كنتُ لأسبق ربّي”. وإذا بالوحي حاملاً التسمية الربّانية له: “سَمِّهِ حَسَناً”.

هذا الحسنُ الزكيُّ المجتبى سرعان ما دَسّ إليه الأمويّون السُّمَّ وقتلوه وأكملوا عليه الدناءة حينما أمطروا جنازته المحمولة على أكتاف محبّي أهل البيت (ع) بسهامٍ مزّقت جسده الطاهر الذي طالما حَضَنها جدّه رسول الله وقَبَّلَ شفاه و…

لسنا هنا في مقام قراءة المصيبة الحَسَنيّة ولا نريد أن نختمها بالمصيبة الحُسَينيّة ولا أن نَمُرّ على ما أصاب النبيّ وابنته وصهره وأسباطه وأبنائه من مصائب فجيعة لازالت دموع شيعتهم وبعد (14) قرناً من الزمن تجري عليهم بسخونةٍ وحرقة قلب.. ثم يقول أحفادُ القَتَلة وهم يبرّأون جرائم أجدادهم: لماذا هذا العزاء، ما بالكم تبكون ولماذا تضجّون وتلطمون؟!

عجباً.. وهذه شيعتُهم يُذبَحون ويُفجَّرون مثلهم في حال الصلاة والصيام وفي مساجد الله ثم يطلبون الدليل على براءتهم وأجدادهم من دماء الطاهرين ودماء محبّيهم!!

نقول: إنّ للشيعة كلّ العزّ والفخر في ولائهم لمحمّدٍ وآل محمد (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين) وفي دفعهم لثمن الإستقامة على نهجهم القويم.. كيف وقد قال الإمام الصادق (ع): “إنّ حواري عيسى عليه السلام كانوا شيعته، وإنّ شيعتَنا حواريّونا، وما كان حواري عيسى بأطوع له مِن حوارينا لنا، وإنما قال عيسى عليه السلام للحوارييّن: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) فلا والله ما نصروه مِن اليهود ولا قاتلوهم دونه، وشيعتُنا والله لم يزالوا منذ قَبَضَ الله -عزّ ذِكرُه- رسولَه (صلى الله عليه وآله) ينصرونا، ويقاتلون دوننا، ويُحرَقون، ويُعذَّبون، ويُشرَّدون في البلدان، جزاهم الله عنّا خيراً”.

فيا شيعةَ العالَم الكرام:

إعرفوا تاريخَكم المجيد.. واعرفوا منزلتَكم عند الله ورسوله وأهل البيت.. واعرفوا
أنّ تاريخ عدوّكم المنسلخ عن الإنسانية قد أعاد نفسَه الممتدّ من بداية الظلم والإجرام إلى تفجيرات قذرة لا تعني سوى البهائميّة والجاهلية…

فما هي رسالتُكم وأنتم تنظرون لحالكم هنا وهناك.. وكيف يجب أن تعاملوا واقعَكم وأنتم مستضعَفون في الأرض.. ما هو تحليلكم لظاهرة (داعش) المنفوخ دوليّاً وإقليميّاً ومحلّياً لأهداف مادّية إستعماريّة أكبر من حجم الحكومات ومعاناة الشعوب؟!

لا نقول أنّ رؤيتَنا ممتدّةٌ إلى عُمق الحدث المهدويّ القادم بإذن الله!!
ولكنّنا نؤكّد أن القضية أوسع من البترول والغاز والمعادن التي يحتاجها الغربيّون لراحتهم على حساب راحة الشرقيّين المغلوبين على أمرهم!!

أيّها المؤمنون..
أيتها المؤمنات..
ونخصّ الشباب والشابّات بهذا الخطاب:

خُذوا جوابَ أسئلتِكم تلك مِن إمامكم عليٍّ أميرالمؤمنين (ع) إذ بالوعي أوّلاً تُبنى المواقف التي يرضاها الله وتثمر الجنة.

قال مولانا مولى الموحِّدين:

“إحذروا الدّنيا إذا أماتَ الناسُ الصلاةَ وأضاعوا الأمانات واتّبَعُوا الشهوات واستحلّوا الكذب وأكلوا الرّبا وأخذوا الرّشى وشيّدوا البناء واتّبعوا الهوى وباعوا الدّين بالدنيا واستخفّوا بالدماء وركنوا إلى الرياء وتقاطعت الأرحام وكان الحِلم ضعفاً والظلم فخراً والأمَراء فَجَرَة والوزراء كَذَبَة والأمناء خَوَنَة والأعوان ظَلَمَة والقرّاء فَسَقَة، وظَهَرَ الجَور وكَثُرَ الطلاقُ وموتُ الفجأة وحُلِيَت المصاحف وزُخرِفت المساجد وطُوّلَت المنابر ونُقِضَت العهود وخُرِبَت القلوب واستحلّوا المعازف وشُرِبَت الخمور ورُكِبَت الذكور واشتغل النساء وشاركن أزواجهنّ في التجارة حرصاً على الدنيا وعَلَت الفروجُ السروج ويشبهن بالرجال.
فحينئذ عُدّوا أنفسَكم في الموتى ولا تغرّنكُم الحياة الدنيا، فإنّ الناسَ إثنان بَرٌّ تقيّ وآخر شَقِيٌّ. والدار داران لا ثالث لهما. والكتاب واحد لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها.
ألا وإنّ حُبّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئة وباب كلِّ بليّة ومجمع كلِّ فتنة وداعيةُ كلِّ ريبة. الويل لمن جَمَعَ الدنيا وأورثها مَن لا يَحمَدُه وقَدِمَ على
مَن لا يعذُرُه. الدنيا دار المنافقين وليست بدار المتّقين فلتكُن حظّك من الدنيا قوام صُلبِك وإمساك نفسِك، وتَزَوَّد لمعادك”.

وفي الختام:

أليس الوقت والحالة والآلام قد أنضجت مشروع إتحاد مراجع الدّين ليقودوا الأمّة بصورة عامّة والشيعة بصورة خاصة إلى شاطئ الأمن والخير والعلم والسلام؟!
وكذلك علماء الدّين ليرشدوا الناس بالطريقة الصحيحة.
وكذلك المثقّفون المخلصون ليوجّهوا نحو الرّشد المجتمعي العام.
وكذلك الجمهور من أجل ازدهار حياته وعلاقاته وبلدانه وأجياله.

وعلى مستوى إخواننا السنّة.. علمائهم ومثقّفيهم وجمهورهم نقول:

أما آنَ الأوان لمراجعة أوضاعكم ونصيحة المتطرّفين منكم ونبذ التكفيريّين الدّمويّين الذين أساؤوا لسمعتكم وشوّهوا صورة الإسلام ورسوله المبعوث رحمةً للعالمين؟!

فليعرف الشيعة والسنّة في كل مكان أن اللّعبة الدوليّة أخطر من النقاشات المذهبية والسياسية.. لعبةٌ قال عنها نبيُّ هذه الأمّة (صلى الله عليه وآله): “يوشَكُ أنْ تداعى عليكم الأُممُ، كما تتداعى الأكَلَةُ إلى قصعتها. فقيل: ومِن قلّةٍ نحنُ يومئذ؟ قال: بلْ أنتُم ـيومئذـ كثيرٌ ولكنّكُم غُثاءٌ كغُثاءِ السَيْلِ، ولينزعنّ اللهُ من صُدُور عدُوّكُم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قُلُوبكُمُ الوهن”.

إننا وفي ظلّ النفحات الإلهيّة التي تنزل في ليلة النصف من شهر الله الكريم وببركة مولد سبط النبيّ العظيم نقترح الهُدنة العامّة في الحروب وإحياء مساعي السلام بتحويل الخلافات كلّها إلى حوارات هادفة.. ففي ظلّ الأجواء الآمنة تسمع الآذان جيّداً وتنشط العقول أفضل.
وهذا الإمام الحسن السّبط (ع) يقول: “هلاكُ المرء في ثلاث: الكِبر، والحرص، والحسد، فالكبر هلاك الدّين، وبه لُعِنَ إبليس، والحرص عدوّ النّفس، وبه خَرَجَ آدم مِن الجنة، والحسد رائد السّوء، ومنه قَتَلَ قابيل هابيل”.

وصدق الله الذي قال:

(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

داعيكم:

عبدالعظيم المهتدي البحراني
15/شهر رمضان/1436

للاعلى